مرحباً! إسمي وائل حمدان وأهتم بتصميم المواقع، البرمجة، والتصوير. هذه مدونتي الشخصية و أعالج فيها أمور تتعلق بالتصميم، الكمبيوتر، الإنترنت، التكنولوجيا وكل ما يخطر في ذهني.

لست أقول كل ذلك تفاخرا، إذ أنهم يقولون أن من أحب كلاسيكيات الموسيقي الشرقية و أحب كلاسيكيات السيمفونيات و الأوبرا العالمية فقد امتلك كمال الذوق و المهارات الموسيقىة التى عرفها بني البشر، ذلك لأنك حين ترى شخصا يستمع لموسيقي فيروز مثلا فإن أول ما يتبادر إلى ذهنك فى حكمك على شخصيته أنه إنسان تملأه المشاعر والحب والاحترام والذوق ( وكل الصفات التى تتمنى العثور عليها). لا.. لا…لست أقول ذلك تفاخرا،أ و ربما نعم قليلا…. ماذا؟ و هل يلومنى أحد فى افتخاري بأنى عاشق للموسيقى الكلاسيكية، و أنى أكره معظم “منتجات” فن الغناء “الحديث”؟

على أى حال: ماذا لو أننا أتينا الآن بباحث و دارس موسيقىن ويكون شخص لا علاقة له بتاتا بالموسيقي العربية. ( شخص هندى مثلا) و أجلسناه معنا الآن، و عرضنا عليه العديد من الأغانى للعديد من الفنانين، الغناء الحديث: قُمامة الفن الموسيقيمن الأقدم للأحدث. فنبدأ من عصر “عبد الوهاب” “أم كلثوم” و “فيروز” و غيرهم  ، فنجد على وجهه ابتسامة عجب وإعجاب شديد بفن الكلمات الممزوجة بالألحان الملائكية.  نتقدم للأحدث… حسنا.. لقد تغير الأمر قليلا ، كل شيء آخذ فى التغير و فى طريقه لأن يكون “عصريا” لكن على الأقل حتى فترة التسعينيات كان للغناء معنى. كان الناس يكتبون عن مشاعرهم و يلقون الأغانى بأحاسيسهم.  أما الآن، عصر القحط الفكرى. نخجل أن نسمعه إحدى أغانى اليوم، ولماذا نفضح أنفسنا بأنفسنا، فليمض  ذلك الباحث فى طريقه، “الله يسهل له”.  أين الأغنية؟ إلى أين عساها اختفت؟ من ناحية الكلمات، فإن جميع الأغانى الآن هى نفس الكلمات بإعادة ترتيبها و بإعادة توزيعها، من ناحية الموسيقى، كلهم نفس التلحين و التوزيع تقريبا، و أغلبهم “تكنو” على أى حال.

الموضوع يشغلنى منذ وقت، فأخذت أسأل أصدقائي عن آرائهم و ما يحبون، وجدت منهم من هم عشاق للكلاسيكيات مثلى بالضبط يكرهون الغالبية العظمى للإنتاج الفنى اليوم، و آخرين مسحت عقولهم بتلك الأغانى الحديثة، والتى أحب أن أدعوها “مرض العصر الفكرى” ..و آخرون لم يهتموا على الإطلاق، فأقول لهم مثلا: “كيف تستمعون إلى مثل ذلك العبث؟ ألا يستطيعون على الأقل إيجاد معانٍ أقيم يمكنهم أن يتغنوا بها؟ ” يجيبوننى: ” عما إذا تريدهم أن يغنوا؟!” عما إذا أريدهم أن يغنوا ؟! كأنما ليس هناك أى شيء آخر فى العالم يمكن أن يكتب عنه سوى “عينيا و عينيكي، و كل ما أشوفك قلبي بيتنطط”. و واحد منهم، فعلا أدهشنى، حين أمسكت جهاز (mp3) الخاص به و أخذت أفتش فيه قهرًا، وجدته مليئا بأغانى “وديع الصافي و فيروز”.

حينها زاد احترامى و اعجابي بصديقى ذلك مئات المرات. إذن فإن هناك من يريد أن يبحث و يجد موهبة فنية حقة. و منهم من يبحثون فى ثقافات أخرى بلغات أخرى عن مغنين يشبعون مشاعرهم و يتخاطبون معهم فكريا، أو عاطفيا بمستوي يتلاءم مع مستواهم الفكرى. وما العجب فى ذلك؟

الغناء الحديث: قُمامة الفن الموسيقي

فما هو الغناء حاليا؟ هل هو مشروع مادي فقط؟ فإن هناك ملايين الطرق للإتجار فى الفن والتكسب منه. وهناك الفن المحافظ أو المجدد الذي يحمل رسالة أو حتى فكرة فى كل أغنية جديدة. و فى أى مجتمع لابد و أن تجد الاثنان  معا. و يكون وجود كل منهم قويا. إلا هنا.  عموما ، طريق التكسب من الغناء أمر سهل جدًا و إليكم طريقة خوضه:

أولاً يجب عليك أن تملك المال أو المعارف لتنتج الأغانى، ثانيا: تبحث عن شخص يغنى، لا يشترط الموهبة ، لكن يجب عليك أن تحدد إن كان شاب أو فتاة، و هنا يجب عليك أن تحدد استراتيجية خوض السوق، و يمكنك أن تتعلم من سابقيك فى هذا الأمر: على سبيل المثال،  مشهد طبيعى جدا و مألوف أن تجد جهاز تليفزيون فى مقهى، وقد استقر عامل القهوة على تشغيل قناة “ميلودى” عليه. به العديد من المطربين ، أصوات وموسيقى مختلفة كلها يأكلها ضجيج المكان و أحاديث الجالسون ولا يلقى له بالا أحد. و هنا تظهر فتاة صغيرة السن مغرية المظهر على الشاشة ترقص ويتخلل رقصها غناء بصوت بشع و كلمات طفولية كما لو أنها كتبت لأطفال فى سن الحضانة، و تجد الجميع بدءًا من الأقرب للجهاز قد ترك ما يفعله و أدار راسه واحملق للشاشة، فينظر من يليه إلام يشغله هكذا، فيأثره عرض التليفزيون  و تتجمد رأسه فى وضع واحد فى جهة الجهاز. و من يليه و من يليه كأنه نوع من الشعوذة، و حتى المشاة بجانب القهوة خارجها تجدهم و قد استوقفهم ذلك العرض، ووقفوا يحملقون ومن بجانبهم ومن يسير بعدهم. و هكذا تواليا إلى أن تجد نصف القرة الأرضية قد توقف عن الحركة، حمدا لله أن تلك الأغنية لا تدوم إلا بضع دقائق و إلا لما كنا استكملنا حياتنا الطبيعية !

الجميع يشاهدون ويدمنون، أعجوبة القرن الواحد و العشرين، التى هى فتاة عادية جدا، قررت أن تفعل ما هو ليس عاديا بالمرة، و تعطيهم عرضا لن يشاهدونه فى أى وقت أو مكان فى حياتهم أبدا.

الغناء الحديث: قُمامة الفن الموسيقي

فكل من فى البلاد آخذون فى التحفظ فى المظهر أكثر فأكثر، و من بالتلفزيون آخذون فى التخلى عن التحفظات، تصوروا حينها كم الكبت الذى يخلقه مثل ذلك  ”فيديو كليب” فى نفوس الناس. أمر لا يقل خطورة عن إدمان المخدرات  وله نفس خصائصه، لن تجد مثله فى أى مكان، سيجعلك فى رغبة مستديمة لرؤية مثله مرة أخرى، وسيدمر لك حياتك الطبيعية أو أجزاء منها لأنك لن ترضي أبدًا بما فى حياتك العادية بعد أن رأيت ما رأيت ومقارنةً به. فإن كنت تبحث عن المال ، فهكذا تختار فتاة الغناء، فإنها ستعود عليك بالمكسب الوفير من الألبومات المسجلة ، التى بالطبع تحتوى على شتى الايحاءات المختلفة و حتما تذكر المستمعين بالفتاة، و الفيديو المصور للأغانى والتى تكون عادةً مجرد فيديو لأغنية واحدة و اثنتين فقط للترويج عن الألبوم الجديد، لكن لن يضير عمليتك التكسبية أن تصور أكثر من ذلك ، للألبوم كله حتى،  إن كان هناك قنوات تليفزيونية مستعدة للشراء. و بالطبع هناك دائما الحفلات الغنائية ، والتى ستجد أناس من كافة أقاصى الأرض يجتمعون و يتهافتون لحضورها.

الغناء الحديث: قُمامة الفن الموسيقي

أما إن كان اختيارك سيقع على شاب للغناء، فحرى بك حينها أن تأتى له بالكثير من الموسيقي الإيقاعية السريعة، بغض النظر عما إن كانت أغانيه “حزينة” أو “سعيدة”، كلاهما لن يضيرهم الإيقاع السريع. ثم تأتيه بنفس الأغانى التى بدأ يغنيها سابقوه منذ عام 1990 تقريبا، ألا وهى ” حبيبي حين أراك قلبي على نار الشوق وعيونك قلب لا يحتمل الجرح ، جرحتنى، خنتنى، أحبك نفسي أشوفك و أمسك ايدك … الخ”. كلهم بنفس النمط والمفردات عينها. ولا تهتم إن كانت كل تلك الأغانى ستروج الكثير من الفساد الفكرى و الشعورى. و ستعلم جيلا كاملا من الشباب كل تلك المبادئ التى لا علاقة لها بالحب الصادق الأفلاطونى بين روحى الرجل والمرأة. بذلك تكون قد ألغيت السعادة و أبدتها عن أمة بأكملها.

الغناء الحديث: قُمامة الفن الموسيقي

يدهشنى عشق الشباب وتعلقهم بمثل ذلك المغنى، وتشبههم به حتى فى سوء مظهره. بالطبع الجميع لهم حرية حب واختيار أى نوع من الغناء، لكن يحبون ماذا؟ ماذا هناك ليحَب فى مثل هذا؟! كيف له القدرة أن يستعبد عقولهم هكذا؟ أتمنى حقا أن يشرح لى شخص ذلك يوما، لأنى حقا لا أفهم.

عموما، نستكمل: يمكنك بعد ذلك أيضا تصوير العديد من الفيديو كليب لأغانيه، والتى لا تخلو بالطبع من الفتيات والرقص الكثير،  وإن لم يكن كل ذلك كافيا، اصنع من ذلك الشاب المغنى نجما سينمائيا، وضعه فى دور بطولة أحد أفلام الصيف، و هكذا تمسي مليونيرا فاحش الثراء.

إن تفحصنا كلمات الأغانى اليوم، نجدها لا تتغير إلا للأسوأ، و كأن هناك علاقة عكسية بين المستوى الفكرى للمعانى و تقيق الأرباح العالية، فلا يطفقون يخفضونها ويحقرونها حتى ما تحقق لهم الكسب الوفير. ثم يقولون لك أنهم ينزلون بها إلى المستوى الفكرى البسيط للشعب ! بينما فى الحقيقة هم من تقع عليهم المسئولية فى ذلك التدنى المزعوم لفكر الشعب. أن شعوبنا من أذكى شعوب الأرض فقط ينتظر من يحفز قدرته و ذكاءه، يعطيه علما ينهض به، و يلقى على مسامعه ،و تباعا فى قلبه، فنا غنيا، طرب أصيل، موسيقي صادقة و كلمات ناضجة. كيف لا يرون تلك القدرة الرهيبة للموسيقي و الغناء؟ أعلم أنى ما أخوض إلا فى البديهيات و كل هذه الأفكار  التى تشغلنى قد شغلت الكثيرين منا، و الكثير يشعرون بخطر ذلك الفن المسموم يتزايد يوما فيوما.

إلام يقودنا كل هذا التطور الموسيقي و الغناء و ما آثاره؟ من أين للجيل الجديد أن ينشأ على فن راقى؟ و إن كان شباب اليوم كل ما حولهم من انتاج فنى بذلك المستوى. لا نستطيع أن ننكر قوة الترابط بين عقل الأمة وفنها و غنائها، و أثرهم الدائم على بعضهم الآخر. هم لا يفترقان و يضعان بعضيهما فى نفس المرتبة دوما، فمن المفترض أن يكون الغناء هو نتاج عقل الأمة و الخواطر التى تسود شبابها- و ذلك أمر قد عفى عليه الزمان ههنا.  وإنما أيضا الغناء هو ما يفرض على الناس أفكارهم إلى حد لا يمكن إنكاره ، فمن يستمع إلى أغنية مطولا ، تندس أفكارها و موسيقاها إلى داخل عقله، حتى تجد مبادئها تفرض وجودها فى ذهنه و أصبحت جزءًا منه، مثل من يحاول حفظ المعلومات غيبا بكثرة تكرار قولها.  تندس  مشاعرها و معلوماتها إلى داخل العقل الباطن و تصبح كيانًا مؤثرًا على تصرفاتك.

الغناء الحديث: قُمامة الفن الموسيقي

و إن كانت تلك هى فقط كل الأفكار والخواطر التى تدور برأسك، فأنى لنا إذن أن نجد فنا جديدا؟ سنصل إلى نقطة ما حين يحاول الشباب الجدد الكتابة عن شيئا أو شعورا و تجربة جديدة لا يعرفون كيفية فعل ذلك. فإن لكثرة إجبار عقولهم على التفكير فى أمور المشاعر بطريقة واحدة فقط لن يعرفوا كيفية استكشاف مشاعر جديدة وحتى إن راودتهم. ما أقصده هو أن الانسان هو مجرد باقة كبيرة من المشاعر والتغيرات النفسية، لا يمكن لشخصين على الأرض أن يشعروا بالحب بنفس الطريقة ذاتها و قدرها وتفاصيلها بالضبط، لأن كل منهم لديه خلفية حياتية و شخصية مختلفة بالكامل عن غيره تدفعه لتذوق ذلك الشعور الجديد بطريقة فريدة تماما عن الآخر. مما فى النهاية سيدفع فنه للتعبير عنها بطريقة مختلفة، على سبيل مثال ذلك : إن جئنا بشاعر يعمل كفلاحٍ و شاعر يعمل كبحارٍ، ألن تجد تعبيراتهم عن مشاعرهم مختلفة ، فأولهما ينسب مشاعره و تشبيهاته للجمال الذى يجده فى حياته كالطيور و الأزهار والجو الجميل وروعة الغروب على الحقول، و ثانيهما ينسبه للبحار والأمواج و التيارات والصيد و روعة الغروب فى الأفق وعلى وجه المياه. إذن فكل منا له وجهة نظره.
… إن وصلنا لتلك النقطة فإن أبناء جيل اليوم سيكونون قد حرموا من القدرة على الشعور. و التعبير عن الذات. لأن الفن عدوى تنتشر عبر الزمان من جيل إلى جيل كالعلم والمعرفة، يأخذها الأطفال من العلماء.  شيئا فشيئا نضعها فى عقولهم من خلال التعليم لكى يكبروا و تصبح لهم كامل معرفتنا الغناء الحديث: قُمامة الفن الموسيقيالحالية  و كل ما وصلنا اليه و يكون حينها لهم الفرصة أن يكملوا ما بدأناه نحن من عمل و يعطيهم الله الزمن الكافى لذلك فى حياتهم ليصلوا إلى ما تمنينا نحن رؤياه. فنحن كأنما نضع عقولنا فيهم و نتمنى أن نبعث و نحيا إلى الأبد من خلالهم و نصل لأحلامنا.  فإن نشأوا الآن على ما نقدمه لهم من اسفاف و ابتذال فى معانى الأغانى، فكيف لهم أن ينتجوا شيئا جديدا مختلفا عن ذلك؟  فماذا فعلنا إذن؟ وماذا تركنا لأبنائنا؟ ما فعلناه حينها هو أن خذلنا كل محاولات عمالقة الفن القدامى من مطربين أصيلون سليلة تعاليم كل شعراء الشرق الذين أرسوا كل قواعد الفن لناخذها نحن بسهولة ودلال بل ونتمنع. حينها يكون العار علينا.

و كلنا نعلم الحل جيدا و هو هذا : إن كنت مطربا ناشئا أو كاتبا وشاعرا، فأرجوك لا تفتح فاك إلا حين تعلم جيدا أن ما أنت على وشك قوله سيحسن حياتنا و مشاعرنا، و إن كنت مستمعا، فلا تعط أذنك لأى من كان، و حين تجد الفرصة ، ادعم من تحب من الفنانين الحقيقيين ولا تبخل عليهم بالنقد والتشجيع.

كتبت هذه التدوينة بتارخ يونيو 6, 2010 تحت معلومات عامة | مقالات. هل أحببت هذه التدوينة وتريد أن تبقى على تواصل؟ تابعني على قارئ الخلاصات آر إس إس أو على تويتر.

  1. نسبة لا بأس بها من الشباب و المراهقين الآن بدأت تعود إلى الطرب العربى الأصيل
    لم يعودوا فقط إلى أجيال الخمسينات و الستينات ، بل بعضهم يستمع و يستمتع بأغانى العشرينات و الثلاثينات ، مثل : أغانى نجاة على و لور داكاش و سيد درويش و غيرهم .
    أنظر إلى حفلات الموسيقى العربية بدار الأوبرا المصرية مثلاً ، تجد معظم الحضور من الشباب و المراهقين من الجامعات و المدارس الأجنبية و تجد التذاكر منتهية .. يتسابق شباب عصرى جداً و سريع جداً لسماع موشحات و طقاطيق و مواويل بطيئة جداً
    من يستمعون إلى الأغانى الرديئة معظمهم إما من الطبقات الفقيرة الجاهلة أو أثرياء و متعلمين يبحثون عن التغيير
    أنا عن نفسى إستمعت إلى أغانى العبقرى الجديد (أبو الليف) من باب التفريج عن الكبت لأن فى النهاية الناس تعود من تلقاء نفسها إلى الأصالة و العصر الذهبى للطرب و الغناء

  2. Neo7th قال:

    “و هنا تظهر فتاة صغيرة السن مغرية المظهر على الشاشة ترقص ويتخلل رقصها غناء بصوت بشع و كلمات طفولية …. و من يليه و من يليه كأنه نوع من الشعوذة، و حتى المشاة بجانب القهوة خارجها تجدهم و قد استوقفهم ذلك العرض، ووقفوا يحملقون ومن بجانبهم ومن يسير بعدهم”

    هذا فعلاً ما يحصل بجميع المقاهي

عرض أخر المواضيع من موقعي